أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

307

عجائب المقدور في نوائب تيمور

وكان في عسكره كثير من النساء ، يلجن معامع الهيجاء ، ووقائع البأساء ، ويقابلن الرجال ، ويقاتلن أشد القتال ، ويصنعن أبلغ ما يصنع الفحول من الرجال في النزال ، من طعن بالرمح ، وضرب بالسيف ، ورشق بالنبال ، وإذا كانت إحداهن حاملا ، وأخذها وهم سائرون الطلق ، تنحت عن الطريق واعتزلت الخلق ، ونزلت عن دابتها ووضعت حملها ، ولفته وركبت دابتها ، وأخذته ولحقت أهلها . وكان في عسكره ناس ولدوا في السفر ، وبلغوا وتزوجوا وجاءهم أولاد ، ولم يسكنوا الحضر ، وكان في عسكره ناس صلحاء عباد ، ورعون زهاد أجواد أمجاد ، لهم في الخيرات أوراد ، وفي وردها إصدار وإيراد ، دأبهم خلاص مأسور ، أو جبر مكسور ، أو إطفاء حريق ، أو إنقاذ غريق ، أو إصطناع معروف ، أو إغاثة ملهوف ، مهما أمكنهم ، ووصلت إليه يدهم ، إما بقوة وأيد ، وإما بنوع خديعة وكيد ، وإما باستيهاب واستشفاع ، أو تعويض وابتياع ، وكانوا سائرين معه بالاضطرار ، ودائرين معه لهذه المعاني بالاختيار ، حكى لي مولانا جمال الدين ، أحمد الخوارزمي ، أحد القراء المشهورين المجودين ، وكان إمام محمد سلطان في حياته ، وإمام مدرسته بعد وفاته ، ثم خطيب بروسه ، وبها أدركته المنية ، سنة إحدى وثلاثين وثمانمائه ، رحمه الله تعالى ، قال : كنت في سمرقند في مدرسة محمد سلطان ، أعلم مماليكه وأولاد الأمراء القرآن ، فأرسل إليه جده الظلوم ، وهو متوجه إلى بلاد الروم ، أن يتوجه إليه ، ويفد هو والأمير سيف الدين عليه ، فامتثل ما به أمر ، وأخذ في إعداد أهبة السفر ، وقال لي : هيء مرافقك ، واقطع علائقك ، وخذ أهبة سفرك ، واعمل مصلحة رهطك ونفرك ، ووافقنا في المرافقه ، فإن من حسن المرافقة الموافقة ، فاستعفيته من الذهاب ، وفتحت له في سد خوجة السفر كل باب ، فقلت له : يا مولاي أنا رجل من أهل القرآن والفاقة ، ما لي بفتح باب السفر من طاقة ، لأني ضعيف البنيان ، رخو الأركان ، لا جلد لي على